وقال ابن القيم: يقول تعالى: {فلعلك باخع ... } مسلياًَ لرسول - صلى الله عليه وسلم - في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه) (¬2)، فهذه نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم، والداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته، ويتلطف في علاجهم، وإن رأى منهم عزوفاً عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء، وإقناعهم بضرورة تناوله، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المفرطون، وهكذا فإن (الداعي الرحيم لا يكفُّ عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وأن إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم) (¬3). وفي سيرة المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - أعظم وأروع الأمثلة على الرحمة سيما في المواقف العصيبة التي بلغت فيها المعاناة أشد مراحلها التي تضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم، ومع ذلك تبقي نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة كما حصل يوم رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن ذهب إليها وفي قلبه أمل، فلقي فيها أعظم مما كان يتصور من الإعراض فرجع كسير القلب، فلما بلغ
¬__________
(¬1) أصول الدعوة ص:344،343.
(¬2) تفسيره تفسير ابن كثير 3/ 72.
(¬3) أصول الدعوة ص344.
