قوله (اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون) وهذا الحديث من اعظم الامثلة على صفح الداعية عن المدعوين من قومه وان اساءوا اليه بعد ان ادموا وجهه الشريف واذوه في عرضه ونفسه وقد تعدى عفوه - صلى الله عليه وسلم - عمن قتل عمه الذي اذى النبي فقده ومع ذلك فهو لا يقبل بان يعاقب باكثر من الاساءة اليه بل انه لم يرض ان يعاقب بمثل ما اوذي بل قال للقوم اذهبوا فانتم الطلقاء كما حصل مع من اساء اليه من اهل مكة وقد وردت روايات عن عزم بعض الصحابة الانتقام ممن اساء اليهم ايام الدعوة الاولى فـ (عن أبي بن كعب قال لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وسبعون ومنهم ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين النحل فقال رجل لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفوا عن القوم غير أربعة) (¬1) (لقد أراد الله أن يمتنَّ على العالم برجل يمسح آلامه، ويخفف أحزانه، ويرثي لخطاياه، ويستميت في هدايته، ويأخذ يناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنساناً سليم الفطرة لا يضري ولا يطغي فأرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - وسكب في قلبه من العالم والحلم، وفي خلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى، ما جعله أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدراً) (¬2).
¬__________
(¬1) صحيح ابن حبان 2/ 239.
(¬2) خلق المسلم ص 204.
