إن المستهزئون يتحسرون في الآخرة على استهزائهم، وهذه الحسرة عذاب مؤلم؛ يقول تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) (¬4).
وهذا خطاب من الله -سبحانه وتعالى - لعباده بأن يلتزموا أمر الله؛ فيحلوا الحلال ويحرموا الحرام ويجتنبوا المعاصي ويفعلوا الطاعات، من قبل أن يفاجئهم العذاب الأليم، وهم لاهون غافلون لا يشعرون، والعذاب - هنا - عذاب الدنيا كالقتل والأسر والقهر والجدب، وليس عذاب الآخرة، لأن عذاب الآخرة لا يأتي بغتة (¬5).
وهذا الالتزام بأمر الله كراهة (أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله)؛ يقول الزمخشري: " (أن تقول نفس) كراهة أن تقول. فإن قلت: لم نكرت؟ قلت: لأن
¬__________
(¬1) انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2،ص 463.
(¬2) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 4، ص 725.
(¬3) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 4، ص 628.
(¬4) سورة الزمر / 55 - 60
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 15، ص 207.
(¬5). القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، مصدر سابق، الجزء 6، ص ص 89 - 90.
