قوله (فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخير وهو على فرس لأبى طلحة عزى وفي عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا ثم قال وجدناه بحراً أو قال إنه لبحر.) في الحديث بيان لشجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحرب وشدته وبأسه ومع انها في مجال الحرب لكنها تدل على رباطة الجأش وقوة الشكيمة وعزم وارادة قويتين وهكذا ينبغي ان يكون الدعاة فهم قدوة في السلم والحرب ولذا فان الشجاعة عند الداعية صفة رائدة، تعني يقظة النفس، وقوة همتها، وبعد النظر، وصفاء النفس، والدعوة ونقل الخير للآخرين يحتاج إلى شجاعة وطموح، ولا يبلغ المجد إلا كل جسور. الجبن والكسل والخوف والتردد إلا صفات نقص وذم في أي مخلوق، فكيف بالداعية، ولقد كان من أدعية الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن .. ) (¬1) وإنك عندما تنظر في سير الأنبياء تجد الشجاعة التصقت بهم؛ فنوح واجه قومه بكل شجاعة وصبر على تأخر استجابتهم. وإبراهيم وقف في وجهه والده ومع ذلك صبر واستمر على الصدع بالحق وعدم الخوف منهم ورمي في النار واما موسى عليه السلام فقد انطلق إلى فرعون ليبلغه رسالات ربه، وعيسى عليه السلام يقف داعياً إلى ربه مع قومه بكل شجاعة وثبات .. وأما شجاعة رسول الأمة - صلى الله عليه وسلم - فقد عبر عنها راوي الحديث بلفظ البحر والتي تدل على عظيم الشجاعة والكرم معا وكلاهما في النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الكفوي: الكرم إن كان بمال فهو جود وإن كان بكف ضرر مع القدرة فهو عفو، وإن كن ببذل النفس فهو شجاعة، وقال أيضا: الصبر في المحاربة شجاعة، وفي إمساك النفس عن الفضول قناعة، وفي إمساك كلام الضمير ... كتمان (¬2). ولم تكن شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - متوقفة عند هذا الحد فهو يشير في غير موضع ان القوي والشديد ليس بصرعته فحسب وانما بقدرته على قمع نوازع نفسه ولذا فمن الشجاعة المحمودة ¬__________ (¬1) صحيح البخاري 9/ 404. (¬2) الكليات للكفوي ص 53، 65.