فما هو السبب الذي دفع المنافقين للاستهزاء بتصدق المؤمنين بصدقاتهم. سواء كانت هذه الصدقات كبيرة أو كانت صغيرة؟
إن السبب هو: التصور المنحرف لبواعث الطاعة عند المؤمنين
يقول سيد قطب –كلاماً نفيساً في بيان سبب استهزاء المنافقين من المتصدقين المؤمنين-: "والقصة المروية عن سبب نزول هذه الآية، تصور نظرة المنافقين المنحرفة لطبيعة الإنفاق في سبيل الله و بواعثه في النفس. ( ... )
وهكذا تقوّلوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة عن طواعية نفس و رضا قلب و اطمئنان ضمير، و رغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته، وكل على غاية جهده.
ذلك أنهم لا يدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة، لا يدركون حساسية الضمير التي لا تهدأ إلا بالبذل عن طيب خاطر، لا يدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثاً ذاتياً لتبلى دواعي الإيمان و التضحية و المشاركة. من أجل هذا يقولون عن المكثر: إنه يبذل رياءً، وعن المقل: إنه يذكر بنفسه.
يجرحون صاحب الكثير؛ لأنه يبذل كثيراً، ويحتقرون صاحب القليل؛ لأنه يبذل قليلا، فلا يسلم من تجريحهم و عيبهم أحد من الخيّرين. ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي، شحيحو الأنفس، لا ينفقون إلا رياءً، ولا يدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير " (¬2)
¬__________
(¬1) انظر ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مصدر سابق، الجزء 2، ص 2008.
و انظر عياض بن موسى، إكمال المُعلم بفوائد مسلم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 542.
(¬2) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 10، ص 1681
