يقول تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) (¬1)
والمراد من إيراد هذه الآية - هنا - هو الإشارة إلى استهزاء قوم نوح بنوح - عليه السلام - رغم أنه ما جاء إلا لينصحهم ويخلصهم مما هم فيه من الشرك. ورغم أنه اعتزل وتفرغ إلى صناعة السفينة، إلا أن قومه ظلّوا على استهزائهم دائبين، وبصنع السفينة ساخرين.
ولقد صبر نوح - عليه السلام - على قومه حتى اللحظة الأخيرة، ومكث يصنع السفينة وهم ما زالوا يستهزئون به. فالكفر لا يطيق الإيمان، حتى ولو انعزل الإيمان عنه؛ فهي معركة وجود لا معركة تصادم فقط.
فالكفار لا يدعون الدعاة في شأنهم، ولو ترك الدعاة الاصطدام مع طواغيت الأرض، وانزووا عنهم، فسيظل الطواغيت يلاحقون الدعاة بأشياء كثيرة، لعل من أخفها وطأة على الدعاة: السخرية والاستهزاء المتكرر صباحاً ومساءً
" وذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضاً، وأنه لا يجديهم فتيلاً أن يتقوها ويتجنبوها؛ فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها " (¬2)
ولكن نوحاً - عليه السلام - لم يكن صامتاً أمامهم، بل رد عليهم الرد الحاسم بالقول الجازم فقال: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) أي: إن تسخروا مني وممن
¬__________
(¬1) سورة هود / 38
هذه الآية مكية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 1، ص 365.
لقد سبق الحديث عن هذه الآية في المبحثين الثاني والثالث من الفصل الأول، فلا داعي لتكرار ما قيل.
(¬2) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 8، ص 1307.
