والرسل الذين أرسلهم الله - سبحانه وتعالى- كثيرون؛ حيث إن (كم) في قوله تعالى: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ) هي (كم) الخبرية التي تفيد التكثير (¬1)
ومع هذه الكثرة الكاثرة من الأنبياء المبعوثين إلا أن الكفار كانوا يستهزئون بهم، وهذا هو ديدنهم ودأبهم. يقول الزمخشري: " (وما يأتيهم) حكاية حال ماضية مستمرة " (¬2)
و هذه الكلمة التي فسر بها الزمخشري الآية (¬3)، كلمة دقيقة، ومفادها أن حال الكفار في الماضي والحاضر والمستقبل هو الاستهزاء بالرسل الكرام عليهم السلام.
والقرآن الكريم لم يعرض قصة كل نبي أرسله الله - سبحانه وتعالى - إلى عباده، وإنما عرض بعض قصص المرسلين. يقول تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (¬4).
وكذلك لم يعرض القرآن مشاهد استهزاء الكفار بكل رسول قصّ قصَّته علينا، وإنما عرض مشاهد الاستهزاء التي وقعت مع بعض الرسل، ولا يعرف هل إن هذه المشاهد التي عرضها القرآن الكريم هي كل المشاهد التي حصلت مع الرسل الكرام؟ أم أنها نزر يسير عُرض على سبيل البيان؟ أم أنها نزر يسير عند بعضهم وهي كل المشاهد عند بعضهم الآخر؟ وهذا كله في علم الله.
والمراد في هذا المقام هو عرْض هذه المشاهد التي عرضها القرآن، وتفسيرها وَفْقَ ما جاء عن المفسرين.
¬__________
(¬1) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 627.
(¬2) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 4، ص 242.
(¬3) أي: سورة الزخرف / 7.
(¬4) سورة النساء / 164
