ونعود إلى قوم لوط، فيتجلى لنا الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) يا عجباً! أوَ من يتطهر يُخرج من القرية إخراجاً، ليبقى الملوثون المدنسون؟!
ولكن لماذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية – وتسميه تقدمية وتحطيماً للأغلال عن المرأة وغير المرأة –أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك؛ ولا تطيق أن تراهم يتطهرون؛ لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين؟! إنه منطلق الجاهلية في كل حين! " (¬1).
فنفي المتطهرين من الأرض التي يعيشون فيها سنّةٌ متبعة عند الظالمين. فقوم لوط أرادوا تجريد لوط – عليه السلام –من جنسيته بينهم، ونفيه خارج البلاد بتهمة التطهر والتطهير.
فالتطهر تهمة يعاقب عليها قانون الظالمين؛ كقوم لوط. بل أصبحت مجتمعاتنا تستهزئ من المتطهرين؛ فالذي لا يشهد الأعراس المختلطة بالرجال والنساء – أو الأعراس التي تعزف فيها الموسيقا، وينعق فيها المغنّون بسوء الكلام وساقطه – يصبح عند بعض الفئات الاجتماعية موضع استهزاء وسخرية وازدراء. ولربما قطعه أقاربه متمثلين قول قوم لوط: (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ). ليصير الشعار: أخرجوهم من عائلتكم إنهم أناس يتطهرون. فالله المستعان .!
ثانياً: استهزاء الكفار بشعيب عليه السلام.
¬__________
(¬1) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 8، ص ص 1315 –1316.
