والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها يعفو ولا يقسو لأن (القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة. إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى) (¬1)، ومن أعظم مواقف العفو عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المشركين يوم فتح مكة. وهكذا فإن رحابة الصدر وسماحة النفس تنتظم الرحمة التي تدعو إلى الحلم الذي يقود إلى العفو فيكون من وراء ذلك التأثير التلقائي لأن الإنسان يتأثر بالإحسان
وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع (أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له، وثقة الناس به، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقاً ليناً، سمحاً هيناً، يسر بالنصحية، ولا يريد الفضيحة، يسد الثغرات ولا ينشر الزلات والعثرات) (¬2).
الحديث الثاني: قال الامام البخاري
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهودية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها فجئ بها، فقيل ألا نقتلها؟. قال: لا. قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
¬__________
(¬1) خلق المسلم ص 207.
(¬2) (الأخلاق الإسلامية 2/ 443.
