إذن؛ فهو استهزاء بأسلوب إطلاق المدح بقصد الاستهزاء. والاستهزاء الذي كان يلاقيه النبي – صلى الله عليه وسلم - هو مشقة عظيمة، فقد كان المشركون يرون النبي – صلى الله عليه وسلم- مرات كثيرة؛ فمكة – في ذلك الزمن - قرية صغيرة تتكرر رؤية الفرد فيها عدة مرات؛ وبالأخص عندما يكون داعية مثل النبي – صلى الله عليه وسلم –؛ يروح ويغدو داعياً إلى الله؛ فيراه الكفار مرات عديدة؛ ويتكرر استهزاؤهم به مرات عديدة؛ لأنهم يستهزئون به كلما رأوه.
وكم هو الأمر صعب وثقيل على الواحد منا أن يُؤذى بالاستهزاء كلما مرّ في طرقات قريته أو مدينته، أو كلما جلس مجلساً فرآه خصومه اتخذوه هزواً. وقد يلجأ الواحد منا إلى أن يعتزل الناس في بيته، أو في مكان بعيد عن أعين الناس؛ كل ذلك ليأمن استهزاءهم. قد يترك الواحد منا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمجرد وقوع الاستهزاء به مرة أو مرتين.
ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم - صبر وصابر وبقي على دعوته، رغم ما لقيه من الأذى.
الاستهزاء الثالث: يقول تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) (¬2)
ولهاتين الآيتين سبب نزول؛ ولبيانه فهذا قول الطبري: " ذكر أن هاتين نزلتا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء وسألوه الآيات فكان فيما كلموه حينئذ، فيما حدثنا ابن حميد قال:
¬__________
(¬1) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 3، ص 286.
(¬2) سورة الفرقان / 7 - 8
هذه الآية مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 13، ص 3.
