الاستهزاء الثاني: يقول تعالى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًاَ) (¬2).
فالكفار المشركون المكذبون بالبعث يتخذون النبي– صلى الله عليه وسلم – هزواً؛ إذا رأوه في مجلس من مجالس مكة، أو رأوه ماشياً في شعب من شعاب مكة، ويقولون: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًاَ) فهم يسخرون به أينما رأوه في مكة. (¬3)
وهذا الاستهزاء مبيّت في قلوبهم ولكنهم يظهرونهم وقت رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم-، وما ذلك إلا زيادة في أذى النبي – صلى الله عليه وسلم-. وفي قولهم هذا: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًاَ) احتقار للنبي – صلى الله عليه وسلم- واستهزاء به.
أما احتقارهم له: فإشارتهم إليه باسم الإشارة: (هذا)؛ لأن اسم الإشارة (هذا) يستخدم للاحتقار (¬4)
أما استهزاؤهم به: وصفهم إياه بصفة الرسالة (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًاَ). فهم لا يؤمنون به؛ ولذلك فوصفه بأنه مرسل هو استهزاء وتهكم منهم (¬5).
¬__________
(¬1) انظر الصابوني، صفوة التفاسير، مرجع سابق، الجزء 7، ص5.
وانظر علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة / البيان والمعاني والبديع. للمدارس الثانوية، دون ذكر الطبعة، دون ذكر دار النشر، دون ذكر مكان دار النشر، دون ذكر تاريخ النشر، ص 156
انظر فضل حسن عباس، البلاغة فنونها وأفنانها (علم المعاني)، مرجع سابق، ص 115.
(¬2) سورة الفرقان / 41
هذه الآية مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 13، ص 3.
(¬3) انظر جابر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، الجزء 3، الطبعة 4، دار السلام، مصر، 1992 م، ص 617
(¬4) انظر محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ / 1914 م)، محاسن التأويل، الجزء 12، الطبعة 2،دار الفكر، بيروت، 1978 م، ص 263.
(¬5) انظر البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 142
