والشاهد في هذه الآية أن الكفار استهزأوا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ). وقولهم: (الرَّسُولِ) تهكم واستهزاء؛ لأنهم لا يؤمنون به ولا برسالته، فوصفه بالرسول استهزاء منهم (¬1)
يقول الزمخشري: " وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنْز" (¬2)
إذن؛ فالكفار أطلقوا المدح بقصد الاستهزاء والسخرية.
الاستهزاء الرابع: يقول تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (¬3)
فهل أصبح الذي يُخبر الناس ببعث الله – سبحانه وتعالى – لهم – بعد أن أثبت الله نبوته ورسالته – موضع سخرية واستهزاء؟!
ولم يقل الكفار في هذه الآية: إن محمد بن عبد الله يقول: إنكم لفي خلق جديد بعد الموت. وإنما قالوا: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ) فنكروه وقالوا: (رَجُلٍ) وعاملوه معاملة المجهول في طريقة الدلالة عليه، كأنهم يخبرون عن عجيبة من عجائب الدهر (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). وهم كانوا يقصدون بذلك الاستهزاء والسخرية والتهكم والطنز. (¬4)
¬__________
(¬1) انظر المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، مرجع سابق، الجزء 4، ص 8.
وانظر الصابوني، صفوة التفاسير، مرجع سابق، الجزء 10، ص 36.
(¬2) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 3، ص 270.
وانظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 79.
وانظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 73.
(¬3) سورة سبأ / 7.
وهذه الآية مكية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، الجزء 2، ص 161.
(¬4) انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 14، ص ص 237 - 238.
