الاستهزاء الخامس: يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (¬3)
فالمنافقون يستمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – ولكن إذا خرجوا من عنده – صلى الله عليه وسلم – سأل المنافقون أهل العلم من الصحابة - رضوان الله عليهم –عن الذي قاله الرسول – صلى الله عليه وسلم – بصورة الاستعلام ولكنهم يستهزئون.
يقول أبو السعود: " (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) هم المنافقون ( ... ) كانوا يحضرون مجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيسمعون كلامه، ولا يَعونه، ولا يراعونه حق رعايته تهاوناً منهم (حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) من الصحابة – رضوان الله عليهم – (مَاذَا قَالَ آنِفًا)؛ أي: ما الذي قال الساعة؟ على طريق الاستهزاء، وإن كان بصورة الاستعلام " (¬4). ومعنى: (قَالَ آنِفًا)؛ أي: قال سالفاً فيما سبق (¬5).
وهذا الاستهزاء بأسلوب الاستفهام المساق للاستهزاء. وهذا الأسلوب الاستهزائي كان يتبعه المنافقون – فيما يبدو – كثيراً؛ حيث قال ابن عباس – رضي الله عنه -: " كان قوم يسألون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل
¬__________
(¬1) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 694.
(¬2) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 22، ص 2895.
(¬3) سورة محمد / 16.
هذه الآية مدنية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، الجزء 2، ص 280.
(¬4) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 6، ص 88.
(¬5) انظر الرازي، مختار الصحاح، مصدر سابق، ص 22.
