عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
والقسم الثالث أن بفعل الزيادة ابتداء من نفسه التماسا لثوابها ورغبة من الزلفة بها فهذا من نتائج النفس الزاكية ودواعي الرغبة الوافية الدالين على خلوص الدين وصحة اليقين وذلك أفضل أحوال العاملين وأعلى منازل العابدين وقد قيل: الناس في الخير أربعة: منهم من يفعله ابتداء ومنهم من يفعله اقتداء ومنهم من يتركه استحسانا ومنهم من يتركه حرمانا فمن فعله ابتداء فهو كريم ومن فعله اقتداء فهو حكيم ومن تركه استحسانا فهو رديء ومن تركه حرمانا فهو شقي. ثم لما يفعله من الزيادة حالتان: إحداهما أن يكون مقتصدا فيها وقادرا على الدوام عليها فهي أفضل الحالتين وأعلى المنزلتين عليها إنقرض أخيار السلف وتتبعهم فيها فضلاء الخلف. وقد روت عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أيها الناس افعلوا من الأعمال ما تطيقون فإن اللّه لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما ديم عليه» والعرب تقول القصد والدوام وأنت السابق الجواد. ولأن من كان صحيح الرغبة في ثواب اللّه تعالى لم يكن له مسرة إلّا في طاعته. وقال عبد اللّه بن المبارك قلت لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي اللّه فيه فهو يوم عيد. أنظر إلى هذا القول منه وإن لم يكن مقاصد الطاعة ما أبلغه في حب الطاعة وأحثه على بذل الإستطاعة. وخرج بعض الزهاد في يوم عيد في هيئة رثة فقيل: لم تخرج في مثل هذا اليوم في مثل هذه الهيئة والناس متزينون؟ فقال: ما يتزين للّه تعالى بمثل طاعته. والحالة الثانية أن يستكثر منها استكثار من لاينهض بدوامها ولا يقدر على اتصالها فهذا ربما كان بالمقصر أشبه لأن الاستكثار من الزيادة إما أن يمنع من أداء اللازم فلا يكون إلّا تقصيرا لأنه تطوّع بزيادة أحدثت نقصا وبنفل منع فرضا وإما أن
