أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة. وقال عيسى بن مريم عليه السلام: كما تنامون كذلك تموتون وكما تستيقظون كذلك تبعثون. وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه: أيها الناس اتقوا اللّه الذي إن قلتم سمع وإن أضمرتم علم وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم وإن أقمتم أخذكم. وقال العلاء بن المسيب: ليس قبل الموت شيء إلّا والموت أشدّ منه وليس بعد الموت شيء إلّا والموت أيسر منه. وقال بعض الحكماء: إن للباقي بالماضي معتبرا وللآخرة بالأوّل مزدجرا والسعيد لا يركن إلى الخدع ولا يغتر بالطمع.
وقال بعض الصلحاء: إن بقاءك إلى فناء وفناءك إلى بقاء فخذ من فنائك الذي لا يبقى لبقائك الذي لا يفنى. وقال بعض العلماء: أيّ عيش يطيب وليس للموت طبيب. وقال بعض البلغاء: كل امرىء يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدّة لأجله وتنطوي عليها صحيفة عمله فخذ من نفسك لنفسك وقس يومك بأمسك وكف عن سيئاتك وزد في حسناتك قبل أن تستوفي مدّة الأجل وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل. وقيل في منثور الحكم: من لم يتعرض للنوائب تعرّضت له. وقال أبو العتاهية:
ما للمقابر لا تجي- ... ب إذا دعاهن الكئيب
حفر مسقفة علي ... هن الجنادل والكثيب
فيهن ولدان وأط ... فال وشبان وشيب
كم من حبيب لم تكن ... نفسي بفرقته تطيب
غادرته في بعضهن ... مجندلا وهو الحبيب
وسلوت عنه وإنما ... عهدي برؤيته قريب
ووعظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا فقال: أقلل من الدنيا تعش حرا وأقلل من
