قوله (قال من يمنعك مني؟ قلت الله فشامه ثم قعد فهو هذا) في هذا الحديث دلالة على ثقة النبي وتوكله وهذا ما ارعب الكائد به وزعزع ثقته بنفسه ومع ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصد ما يقول الا انني ارى في الامر بعدا نفسيا في القوة التي ابداها النبي - صلى الله عليه وسلم - امامه الامر الذي رسخ ما كان يمنع عنه انه نبي وانه مؤيد من الله فلم يظهر على وجه النبي خوف او وجل فكان ذلك سببا دنيويا في اخافة هذا العدو وعزوفه عن الكيد بالنبي مخافة ان يصيبه شيء وقد تكرر مثل ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يظهر منه الا التوكل العظيم على الله والثقة به سبحانه ففي حمراء الأسد، جمع المشركون جموعهم، و حشدوا حشودهم لقتال النبي وأصحابه، فخرج هو و أصحابه بكل شجاعة و اقتدار، و بكل عزيمة و إصدار، لمواجهة الجموع المتربصة، و الجنود المكتظة المزدحمة، متوكلين على الله وحده، طالبين المدد منه سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران:173، 174). وكذا ما حصل في قصة كسرى وقيصر المشهورة مع النبي جديرة بالتأمل، فقد كتب إليهما النبي، فامتنع كلاهما من الإسلام، لكن قيصر أكرم كتاب النبي، وأكرم رسوله، فثبت الله ملكه، وكسرى مزق كتاب رسول الله، واستهزأ برسول الله، فقتله الله بعد قليل، ومزق ملكه كل ممزق، ولم يبق للأكاسرة ملك. (¬1) ولذا فعلى الداعية ان يعلم ان التوكل من أعظم المقامات تعلقًا بأسماء الله الحسنى، فإن له تعلقًا خاصًا بعامة أسماء الأفعال، وأسماء الصفات، فله تعلق باسم الغفار، والتواب، والعفو، والرءوف، والرحيم وتعلق باسم الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي،
¬__________
(¬1) الصارم المسلول: 144.
