المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد، فيخلص إلى الرسول صلى الله عليه وسلم منهم أذى، فجعل يسكنه ويثبته ويقول: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) (¬1). قال ابن قيم الجوزية: التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل ولكن من تمام التوكل: عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها فالأسباب محل حكمة الله وأمره ونهيه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية (¬2)، وايضا فعلى الداعية ان يعلم ضرورة الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب: فالتوكل في لسان الشرع يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده؛ فذلك سر التوكل وحقيقته، والذي يحقق التوكل هو القيام بالأسباب المأمور بها؛ فمن عطلها لم يصحَّ توكله؛ فلم يكن التوكل داعية إلى البطالة أو الإقلال من العمل، بل لقد كان له الأثر العظيم في إقدام عظماء الرجال على جلائل الأعمال التي يسبق إلى ظنونهم أن استطاعتهم وما لديهم من الأعمال الحاضرة يَقْصُران عن إدراكها؛ ذلك أن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه، بل هو أقواها؛ فاعتماد القلب على الله ـ عز وجل ـ يستأصل جراثيم اليأس، ويجتث منابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها. ¬__________ (¬1) تفسير ابن كثير 4/ 155. (¬2) مدارج السالكين 2/ 125.