فأما الرسالة المحمدية فقد كانت خاتمة الرسالات، ولجميع الأقوام وجميع الأجيال، وكانت المعجزة التي صاحبتها معجزة غير مادية، فهي قابلة للبقاء، قابلة لأن تتدبرها أجيال وأجيال، وتؤمن بها أجيال وأجيال، ومن ثم اقتضت الحكمة ألا تؤخذ هذه الأمة بعذاب الاستئصال، وأن يقع العذاب على أفراد منها في وقت معلوم " (¬1).
فقوم هود - عليه السلام- لما استهزأوا بالعذاب استأصلهم الله - سبحانه وتعالى -؛ يقول جل وعلا: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (¬2)
أرسل الله - سبحانه وتعالى - هوداً - عليه السلام - إلى عاد وقد كانوا يسكنون الأحقاف (¬3)، فأنذر قومه ودعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من اليوم الآخر، فردوا عليه رد السفهاء فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا، فأتنا بالعذاب الذي تعدنا به، ولكن هوداً - عليه السلام - يُرجِع الأمور إلى الله - سبحانه وتعالى -؛ حيث قال لهم: إن الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين للعذاب أم لا. فلما أرسل الله - سبحانه وتعالى - العذاب على قوم هود - عليه
¬__________
(¬1) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 12، ص 1859.
(¬2) سورة الأحقاف / 21 - 26
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 16، ص 167.
(¬3) الأحقاف: جمع حِقْف. و الحِقْف: المُعْوَج من الرمل. والأحقاف في الآية: ديار عاد.
انظر الرازي، مختار الصحاح، مصدر سابق، ص 80.
ولا يشترط أن تكون ديار عاد على الرمل؛ لأن الاسم قد يكون مرتجلاً. كما يقال: الزرقاء. وهي ليست زرقاء اللون، بل إن لونها كلون مدينة المفرق، ولكنها سميت بالزرقاء.
