ويقول سيد قطب - عن هذه الآية -: " تلك من صور القيامة، ومن صور الحوار فيها والخصام، ومن صور النعيم فيها والعذاب. فهل القارئ في أثناء استعراضها يحسّ أن هذا كله آت في المستقبل البعيد؟ أم يحس أنه واقع الحاضر المشهود؟
أما أنا فقد نسيت نفسي، ونسيت أني أستعرض هذه المشاهد في ثوبها الفني، وحسبتني أشهدها في الواقع لا في الخيال " (¬2).
فليعطش هؤلاء المستهزئون في النار، وليجوعوا جزاءً بما كانوا يستهزئون، وما كانوا يقولون، وما كانوا يفعلون. فالله يمهل المستهزئين ولا يهملهم، فهم يتفكهون في الدنيا بالاستهزاء، ولكنهم يذوقون ويلات جهنم بسبب استهزائهم، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً.
فعاقبة الكفار المستهزئين هي العاقبة السوأى؛ يقول تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون) (¬3).
فالذين أساؤوا هم الذين اجترحوا السيئات، والسوأى هي: العقوبة السوأى، وهي تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن.
يقول الآلوسي: " (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا)؛ أي: عملوا السيئات ( ... ) ... (السوأى) وهي: العقوبة بالنار، فإنها تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن، أو مصدر كالبشرى وصفت به العقوبة مبالغة كأنها نفس السوء ( ... ) (أن كذبوا بآيات الله) علة للحكم المذكور؛ أي: لأن، أو بأن كذبوا ( ... ) (وكانوا بها يستهزئون) عطف على (كذبوا) داخل معه في حكم العلية. وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده " (¬4)
¬__________
(¬1) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 2، ص 239.
(¬2) سيد قطب (ت 1386 هـ / 1966 م)، التصوير الفني في القرآن، الطبعة 14، دار الشروق، القاهرة، 1993 م، ص ص 65 - 66.
(¬3) سورة الروم / 10
هذه الآية مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 14، ص 3
(¬4) محمود الآلوسي (ت 1270هـ /1854م)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني، اعتنى به محمد أحمد و عمر السلامي، الجزء 21، الطبعة 1، دار إحياء التراث العربي، لبنان، 2000م، ص 35.
وانظر حسين بن محمد البغوي (ت 516 هـ / 1122 م)، معالم التنزيل، حققه محمد نمر وآخران، الجزء 6، الطبعة 4، دار طيبة، السعودية، 1997 م، ص 263.
