وهذا العذاب هو العذاب الذي لو يعلم المستهزئون المستعجلون للعذاب أنه سيقع بهم لما استهزأوا به ولما استعجلوه. فاللهم احمِ ظهورنا ووجوهنا من العذاب!
ويعرض القرآن لنا حواراً يدور بين أهل النار المستهزئين وأهل الجنة المؤمنين؛ يقول تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (¬2).
المسافة بعيدة بين أهل النار وأهل الجنة وهذا ما يُفهم من قوله تعالى: (ونادى) فأصحاب النار يستغيثون منادين أصحاب الجنة لكي يفيضوا عليهم الماء أو من الذي أعطاهم الله - سبحانه وتعالى -، وطلبُ الكفار الماء بدايةً لشدة الحاجة إليه، فمن الطَبَعَي أن يحتاج الإنسان الماء أكثر من الطعام، وبعد ذلك طلب الكفار أي شيء من أهل الجنة حتى يأكلوا أو يشربوا، ولم يعيّن الكفار شيئاً غير الماء؛ لأن رزق الله للمؤمنين كثير، فأي شيء مع الماء يفي بالحاجة، أو لأن الكفار في موضع الذل والسؤال، فهم لا يشترطون، وإنما يترجّون صاغرين، ولذا؛ فليس من اللائق أن يشترطوا نوع الطعام أو الشراب بعد أن خصصوا الماء بالطلب. فهم أرادوا أن يحسنوا سؤالهم حتى لا يقال عنهم كما في اللهجة العامية: (شحّاد وبتشرّط) (¬3). والله أعلم.
¬__________
(¬1) وانظر العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 4، ص 337.
(¬2) سورة الأعراف / 50 - 51
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 7، ص 145.
(¬3) وإنما أوردت هذا المثل العامي لتقريب الصورة.
