وإن الرشيد من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبًا، وإن العَجِل مخطئ، أو كاد أن يكون مخطئًا، وإن مَن لا ينفعه الرفق يضيره الخرق، ومَن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي " (¬1) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كاد صاحب الأناة أن يصيب، أو قد أصاب، وكاد صاحب العَجلة أن يخطئ أو قد أخطأ" (¬2) ومن الحكم أيضًا: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، وقال عمرو بن العاص- رضي الله عنه-: "لا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة". إن الأناةَ عند الداعية تسمح له بأن يحكم أموره، فلا يقدم على أي عملٍ إلا بعد النظر والتأمل ووضوح الغاية الحميدة التي سيجنيها، ولا يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، ولا بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه وبنى عليه فتواه. فالداعية بحاجةٍ ماسةٍ إلى الأناة، لما يحصل بذلك من الفوائد الكثيرة، والكف عن شرور عظيمة، وهذا يجعل الداعية بإذن الله- تعالى- في سلامةٍ عن الزلل "الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى إن العجلةَ وعدم التثبت والتأني والتبصر أو التباطؤ والتقاعس، كل ذلك يؤدي إلى كثيرٍ من الأضرار والمفاسد، والداعية أولى الناس بالابتعاد عن ذلك كله، فمقتضى الحكمة أن يُعطي كل شيء حقه، ولا يعجله عن وقته، ولا يؤخره عنه، فالأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر." (¬3) ولا بد للداعية من مراعاة عنصر الزمن في دعوته، وكما قيل الوقت جزء من العلاج، فبعض الدعاة وبمجرد أن يستشعروا عاطفة حارة من المقبلين على الخير، يبدؤون في إعطائهم مهمات وإلقاء كثير من التبعات عليهم، ظنًا أن هذه العاطفة تكفي لأن يحملوا التبعات، وأن يقوموا بالمهمات، كلا! فلا بد أن نعطي للزمن حظه، ولا بد أن نعطي للتدرج منزلته وأهميته، وأن نسير الهوينى ¬__________ (¬1) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 3/ 290. (¬2) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 3/ 289. (¬3) الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى 2/ 224.