وفي هذا منهاج للدعاة والسائرين في طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفيه بيان لما ينبغي أن يكون عليه الداعي في مضي العزيمة والحلم والاعتزاز بالحق، وأن الدعاة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الدعوة إلى الله، ولا تغريهم زخارف الدنيا، وفي هذا ولا ريب يكمن السر الذي تثمر به الدعوة، ومن لوازم الصبر في مجال الدعوة وهو مستفاد من الحديث تحمل عنت المدعوين وجحودهم وكيدهم وصدودهم فكيد المناوئين ملازم لكل دعوة إصلاح، وهذا جلي في قول الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (¬2). والعصمة هنا هي: الحفظ والرعاية والتعهد، فمن بلّغ عن الله فلابد أن يكاد، وعليه بالتحمل وعدم الفتور عن الدعوة؛ لأنه لابد أن يصيبه ما يكره إما في النفس، أو المال، أو العرض، أو غير ذلك، وقال تعالى على لسان لقمان الحكيم: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (¬3). ولو أن الدعاة لم يتحملوا ما
¬__________
(¬1) السيرة لابن هشام.
(¬2) [سورة المائدة] [67].
(¬3) [سورة لقمان] [17].
