ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جدًّا ومعنى كبير جدًّا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب .. يعقب به السياق بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه. وهي الخاتمة الحقيقية للموقف. فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفًا من أطرافه، لا يتم به تمامه .. وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب الأول على الحادث لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة، وفي قلوب كل فئة مؤمنة تتعرض للفتنة على مدار القرون) (¬1) وروى البخاري عن خباب- رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة في ظل الكعبة. فقال- عليه السلام-: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، ما يبعده عن دينه وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت في قلبه نكتةً سوداءَ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتةً بيضاءَ، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا؛ لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُربَّدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه" رواه أحمد ومسلم عن حذيفة مرفوعًا. ¬__________ (¬1) في ظلال القران – سيد قطب