إنه الترف و التنعم في العيش. يقول ابن جزي: " (بل متعنا هؤلاء و آبائهم) أي متعناهم بالنعم و العافية في الدنيا، فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله. و ( ... ) لم يحملهم على الكفر والاستهزاء نصر و لا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متعناهم و آبائهم “ (¬2) فهذا نص واضح جلي يبين أن الترف هو سبب لاستهزاء الكفار بدين الله سبحانه و تعالى و بالرسل الكرم.
فهذا هو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرة الكفار، وهذا المتاع هو الترف، و الترف يفسد القلب أيما إفساد، ويبلد الحس أيما بلاده، و ينتهي إلى ضعف الحساسية بالله و الخوف منه، و يطمس البصيرة دون تأمل لآيات الله، و هذا هو الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان ليرى نفسه ويراقبها، و يصلها بالله سبحانه و تعالى حتى لا تنساه (¬3).
و بعد هذا يهدد الله سبحانه و تعالى الكفار بما فعل بالذين من قبلهم؛ حيث نصر المؤمنين عليهم، و ذهب المتاع الذي عند الكفار، (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)؛ أي: بالظهور عليها؛ حيث يفتحها المؤمنون بلداً بلداً، وأرضاً بعد أرض. و أسند الله سبحانه و تعالى الفعل إلى نفسه (ننقصها) تعظيماً للمؤمنين المجاهدين وتعظيماً للجهاد في سبيله (¬4).
¬__________
(¬1) انظر عبد الله بن عمر البيضاوي (ت 791 هـ /1389م)، أنوار التنزيل و أسرار التأويل، الجزء 2، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1988 م، ص 71.
و انظر إسماعيل بن كثير (ت774 هـ /1373م)، تفسير القرآن العظيم، الجزء 3،الطبعة 2، دار الفيحاء و دار السلام، دمشق / الرياض، 1998 م، ص 242.
(¬2) ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2،ص 23
(¬3) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 17، ص 2381
(¬4) انظر صديق بن حسن (ت1307 هـ /1889م)، فتح البيان في مقاصد القرآن، وضع حواشيه إبراهيم شمس الدين، الجزء 4، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان،1999م، ص 408
