والشاهد من إيراد هذه الآية هو أن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء بدين الله؛ حيث إن قوم موسى – عليه السلام – اتهموه بالاستهزاء بأوامر الله ودين الله؛ حيث قال لهم: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فاتهم بنو إسرائيل نبيهم بأنه يهزأ بأمر الله. فاستعاذ موسى - عليه السلام – من الجهل؛ لأن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء بدين الله.
وفي ذلك يقول الفخر الرازي كلاماً نفيسا: “ إن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى – عليه السلام –
من نفس الشيء الذي نسبوه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له “ (¬2)
والذي يظهر من كلام الرازي هو أن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء، وأن الجهل موجب للاستهزاء. وقال الرازي عن هذا الوجه في تفسير الآية " هذا الوجه الأقوى " (¬3)
ولكن ما هو معنى الجهل في هذه الآية، وقد ذكر الراغب الأصفهاني ثلاثة معان له وهي:
" الأول: خلو النفس من العلم ( ... )
الثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا " (¬4)
فما هو معنى الجهل في هذه الآية؟ إن معنى الجهل في هذه الآية هو: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل؛ لأن موسى -عليه السلام – لم يتهم بخلو نفسه من العلم، ولم يتهم
¬__________
(¬1) انظر صديق بن حسن القنوجي (ت 1307 هـ/ 1889م)، فتح البيان في مقاصد القرآن، الجزء 1، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999 م، ص 140.
(¬2) محمد بن عمر الرازي (ت 604 هـ /1208)، مفاتيح الغيب، الجزء 3، الطبعة 3، دار الفكر، لبنان، 1985م، ص 126.
(¬3) المصدر ذاته، الجزء 3، ص 126.
(¬4) حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 209.
