وهذا الجهل الذي دفعهم إلى استهزائهم سيستمر معهم حتى يروا العذاب، وبعد ذلك يزول الجهل عنهم ويصبحون عالمين، وهذا الأمر يفهم من قوله تعالى (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمْ النَّارَ) وذلك؛ لأن (حين) وما بعدها استئناف مقرر لجهل الكفار ومبين أن جهلهم مستمر إلى ذلك الوقت الذي يرون فيه العذاب (¬2)
فهم سيعلمون ولكن حين لا يدفعون عن وجوهم النار ولا عن ظهورهم لإحاطة النار بهم (¬3)
والمراد – هنا – هو بيان أن الجهل سبب لاستهزاء الكفار بالعذاب، حيث إنهم لا يعلمون ما هو العذاب، ولو علموا لما استهزأوا. يقول أبو السعود – في شأن استعجال الكفار العذاب استهزاء -: " إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه " (¬4)
إذن؛ فالجهل هو سبب استهزائهم بالعذاب، فما هو الجهل المقصود من المعاني الثلاثة التي ذكرها الراغب الأصفهاني (¬5)
1 - أهو خلو النفس من العلم؟
2 - أم هو اعتقاد الشيء خلاف ما هو عليه؟
3 - أم هو: فعل الشيء خلاف ما حقه أن يفعل؟
والمقصود به هنا هو:
اعتقاد الشيء خلاف ما هو عليه
¬__________
(¬1) انظر محمود الآلوسي (ت 1270 هـ / 1853م) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، اعتنى به أحمد وعمر السلامي، الجزء 17، الطبعة 1، دار إحياء التراث العربي، لبنان، 2000 م، ص 66.
(¬2) انظر المصدر ذاته، الجزء 17، ص 66.
(¬3) انظر عبد الرحمن بن الجوزي (ت 598 هـ / 1202م)، زاد المسير في علم التفسير، الجزء 5، الطبعة 1، المكتب الإسلامي، بيروت، دون تاريخ، ص 352.
(¬4) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، مصدر سابق، الجزء 4، ص 337.
(¬5) انظر حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 209
