أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح، و الذي عندي أنه بعيد. و الدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو، إما أن يقال إنه كان من المجانين، أو كان من العقلاء، فإن قلنا: إنه كان من المجانين؛ لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه؛ لأن العقل شرط في التكليف، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن.
وأما إن قلنا: إنه من العقلاء؛ فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله، أنه يتعذر في قدرة البشر، و ضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، ويعلم –أيضاً- ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال.
وإذا كان هذان العِلْمان بديهيين، امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء. و إذا كان فساد هذا معلوماً بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون “ (¬1)
وخلاصة قول الرازي هي: إن فرعون لم يقصد بناء صرح حقيقة و إنما قصد المراوغة.
وهذه المراوغة كانت استهزاءً بموسى - عليه السلام- بل إن فرعون بنى النتيجة مسبقاً فقال: (و إني لأظنه كاذباً). وهذا هو منطق الطغاة المتجبرين، أصحاب الحجج الواهية و السلطة القوية.
¬__________
(¬1) محمد بن عمر الرازي (ت604 هـ /1208م)، مفاتيح الغيب، الجزء 27، الطبعة 2، دار إحياء التراث، لبنان، 1997م، ص 515.
