فهذه الآيات تبين كيفية تلقي الكفار – بدايةً – القرآن؛ إنه تلقي الاستهزاء والسخرية، فالقرآن يدخل قلوبهم ويدخل الاستهزاء معه؛ لأنهم لا يستحقون الهداية، والله لا يظلم أحداً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
يقول سيد قطب: " وعلى هذا النحو الذي تلقى به المكذبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم، يتلقى المكذبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به ( ... ) (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ).
نسلكه في قلوبهم مكذباً بما فيه، مستهزأً به؛ لأن هذه القلوب قلوب لا تحسن أن تتلقاه إلا على هذا النحو سواء في هذا الجيل أم في الأجيال الخالية، أم في الأجيال اللاحقة، فالمكذبون من أمة واحدة، وطينة واحدة " (¬2)
إذن؛ فالاستهزاء عند الكفار هو أساس التلقي، وهو منطق التدبر في التلقي، وعليه المعوّل عند التلقي وبعد التلقي.
ويقول تعالى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) (¬3)
يخبر الله – سبحانه وتعالى – الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالذي يتناجى به رؤساء قريش حين جاؤوا يستمعون قراءة الرسول – صلى الله عليه وسلم – سراَ، فقالوا: إنه رجل مسحور، سحر فاختلط عليه أمره، أو أن له سَحَراً؛ أي: رئة؛ أي يأكل ويشرب مثلكم فهو بشر وليس ملَكاً. (¬4)
¬__________
(¬1) محمود الآلوسي (ت 1270 هـ / 1854 م)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، اعتنى به محمد أحمد وعمر السلامي، الجزء 14، الطبعة 1، دار إحياء التراث العربي، لبنان، 2000م، ص 352.
وانظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء1، ص 416.
(¬2) سيد قطب، في ظلال القرآن , مرجع سابق، الجزء 14، ص 2129.
(¬3) سورة الإسراء/ 47
هذه الآية مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 10، ص 185.
(¬4) انظر حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص ص 400 - 401.
وانظر عبد العزيز بن عبد السلام، تفسير القرآن، مصدر سابق، الجزء 2، ص 220.
وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء3، ص 62.
