يقول الآلوسي: " (ويقولون) استهزاء (متى هو)؟ أي: ما ذكرته من الإعادة " (¬1)
إن العناد والكفر قد بلغا من الكفار مبلغاَ عظيماَ، موغلا في قلوبهم، وذلك لأنهم نسوا – أو بالأحرى تناسوا – حقيقة أنهم لم يكونوا شيئاَ، ورغم ذلك فقد أصبحوا شيئاَ يأكل ويشرب ويتكلم ويعمل، له عظم ولحم ودم، وتقوم حياته وفق سنة عظيمة في الدقة والتناسق، وأبناؤهم أمام أعينهم لم يكونوا شيئاَ مذكوراَ، سوى نطفة لا تحمل من معاني حياتنا المدرِكة شيئاَ، ولا روح فيها ومن ثم هي مخلوق له جسد وروح وفكر ومنطق.
إنها العنجهية الجاهلية تحمل أصحابها على الاستهزاء والسخرية من البعث , كأن عقولهم معطلة، أو كأنه لا عقول لهم. فعندما ذكر البعث استنكر الكفار أن يبعثوا من قبورهم؛ لأنهم يكونون عظماَ ورفاتاَ، واستهزأوا بالفعل، وذلك بهزّ رؤوسهم واستهزأوا بالقول وذلك بسؤالهم: (متى هو)؟
وعادة سؤال الكفار عن يوم القيامة – يوم البعث – عادة سجّلها القرآن في سورة القيامة؛ يقول تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (¬2)
فالكفار يستخبرون النبي – صلى الله عليه وسلم – عن يوم القيامة، وعن خروجهم من الأجداث بعد صيرورة أجسادهم تراباً (¬3). وهذا الاستخبار والاستفهام هو استخبار واستفهام استهزائي؛ لأن الكفار لا يقصدون من استفهامهم الاستعلام الحق، وإنما يقصدون الاستهزاء، فهو مأرب من مآربهم، ومشرب من مشاربهم، لا يستغنون عنه ولا يعيشون دونه.
¬__________
(¬1) الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، مصدر سابق، الجزء 15، ص 118.
وانظر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، مصدر سابق، الجزء 11، ص 439.
(¬2) سورة يونس / 53.
هذه الآية مكية.
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 8، ص 220.
(¬3) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 2، ص 553.
