الاستهزاء الثاني والثالث بموسى عليه السلام.
يقول تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ) (¬1)
تعرض هذه الآيات جزءاً من الحوار الذي دار بين موسى - عليه السلام - وفرعون - لعنه الله -؛ حيث قال فرعون مستهزئاً: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟) (¬2). ولكن موسى - عليه السلام - الداعية الصابر الثابت الجادّ، المرسل من رب العالمين، يحمل بين جنبيه عقيدة ثابتة كالطود، لا يقف استهزاء فرعون عقبة أمام تحقيق أهدافها السامقة الشامخة.
فموسى - عليه السلام - لم يقف أمام فرعون موقف الصامت السادر، وإنما تابع مسيره في رحلة شاقة يتداول الكلام فيها مع فرعون؛ ليصل معه في نهاية الأمر إلى حسم النزاع والنقاش بالحجة الباهرة، و الدليل القاطع؛ بما آتاه الله من البراهين القاطعة لصدقه، والآيات المثبتة لنبوته ورسالته.
فيردّ موسى - عليه السلام -: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ) وهذا ردّ يتصف بالثبات والجدّية، رغم جبروت فرعون وسلطانه الذي يهتزّ أمام موسى - عليه
¬__________
(¬1) سورة الشعراء / 23 - 29
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 13،ص 84.
(¬2) سبق الكلام عن قول فرعون في المطلب الأول من المبحث الأول من الفصل الثاني. فانظر إليه. إن شئت.
