يقول ابن كثير: " فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله (أَلَا تَسْتَمِعُونَ؟)؛ أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهاً غيري " (¬1)
وسبب الاستهزاء الذي وجهه فرعون إلى موسى - عليه السلام - هو ضعف حجة فرعون، وهذا الاستهزاء جاء بأسلوب الاستفهام المساق لأجل الاستهزاء.
وبعد ذلك يجيب موسى – عليه السلام – فرعون فيقول: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ) وهذه قاصمة لفرعون ودعواه، فأنت يا فرعون تدعي بأنك إله وتسأل عن رب العالمين باستهزاء، فرب العالمين هو ربك أنت أيضاً، ورب من معك من الملأ الذين يتبعونك على ضلالك (¬2)
فيقف فرعون سادراً أمام حجة موسى – عليه السلام -، التي أيقظت فطرته النائمة – أو بالأصح المنوَّمة – ليستهزأ استهزاء آخر بموسى – عليه السلام -، فيقول فرعون هازئاً ساخراً: (إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) " يريد أن يتهكّم على مسألة الرسالة في ذاتها فيُبعد القلوب عن تصديقها بهذا التهكم؛ لا أنه يريد الإقرار بها والاعتراف بإمكانها، ويتهم موسى – عليه السلام – بالجنون ليذهب أثر مقالته التي تطعن في وضع فرعون السياسي والديني في الصميم، وترد الناس إلى ربهم ورب آبائهم الأولين. ولكن هذا التهكم وهذا القذف لا يفتُّ في عضد موسى، فيمضي في طريقه ليصدع بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة والمتجبرين " (¬3)
ويُلاحظ – هنا – أن فرعون سمّى موسى - عليه السلام -: رسولاً. فهل فرعون يعترف برسالة موسى عليه السلام؟ والجواب: لا. إذن؛ فلماذا سماه رسولاً؟
¬__________
(¬1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 444.
(¬2) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 19، ص 2592.
(¬3) أحمد فائز الحمصي، قصص الرحمن في ظلال القرآن، الجزء 3، الطبعة 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1995 م، ص 102.
