يا معشر الأغنياء لكم أقول: استكثروا من الحسنات فإن ذنوبكم كثيرة يا معشر الفقراء لكم أقول. أقلوا من الذنوب فإن حسناتكم قليلة فينبغي- أحسن اللّه إليك بالتوفيق- أن لا تضيع صحة جسمك وفراغ وقتك بالتقصير في طاعة ربك والثقة بسالف عملك فاجعل الاجتهاد غنيمة صحتك والعمل فرصة فراغك فليس كل الزمان مستعدّا ولا ما فات مستدركا وللفراغ زيغ أو ندم وللخلوة ميل أو أسف. وقال عمر بن الخطاب: الراحة للرجال غفلة وللنساء غلمة. وقال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة. وقال بعض الحكماء: إياكم والخلوات فإنها تفسد العقول وتعقد المحلول. وقال بعض البلغاء: لا تمض يومك في غير منفعة ولا تضع مالك في غير صنيعة فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع والمال أقل من أن يصرف في غير الصنائع والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخير هو ينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره. وأبلغ من ذلك قول عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام: البر ثلاثة: المنطق والنظر والصمت فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.
واعلم أن للإنسان فيما كلف من عباداته ثلاثة أحوال: إحداها أن يستوفيها من غير تقصير فيها ولا زيادة عليها والثانية أن يقصر فيها والثالثة أن يزيد عليها. فأما الحال الأولى فهي أن يأتي بها على حال الكمال من غير
