خَيْرٌ مِنْهُ. وَكُلُّ مَنْ عَدَلَ عَنْ شَيءٍ إِلَى غَيْرِهِ بِمُعَاوَضَةٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ لِرَغْبَتِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى غَيْرِهِ لِرَغْبَتِهِ فِيهِ (¬1)، فَحَالُهُ بِالإِضَافَةِ إِلَى الْمَرْغُوبِ (الْمَعْدُولِ) عَنْهُ تُسَمَّى زُهْدًا، وَبِالإِضَافَةِ إِلِى الْمَعْدُولِ إِلَيْهِ (الْمَرْغُوبِ فِيهِ) يُسَمَّى رَغْبَةً وَحُبًّا، وَمِنْ ثَمَّ يَسْتَدْعِي حَالُ الزُّهْدِ مَرْغُوبًا عَنْهُ وَمَرْغُوبًا فِيهِ هُوَ خُيْرٌ مِنَ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ، وَشَرْطُ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا مَرْغُوبًا فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَمَنْ رَغِبَ عَمَّا لَيْسَ مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ لاَ يُسَمَّى زَاهِدًا، وَشَرْطُ الْمَرْغُوبِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ خَيْرًا مِنَ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ ... ] (¬2). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية قالت عائشة رضي الله عنها: " توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما في رفِّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ "، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهوديّ مقابل شيءٍ من الشعير. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: الزُّهْدُ: عِبَارَةٌ عَنِ انْصِرَافِ الرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْ ءِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَشَرْطُ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَرْغُوبًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ شَيْءٍ لَيْسَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَلاَ مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يُسَمَّ زَاهِدًا. كَمَنْ تَرَكَ التُّرَابَ لاَ يُسَمَّى زَاهِدًا وَإِنَّهُ لَيْسَ الزُّهْدُ تَرْكَ الْمَالِ وَبَذْلَهُ عَلَى سَبِيلِ السَّخَاءِ وَالْقُوَّةِ وَاسْتِمَالَةِ القُلُوبِ فَحَسْبُ، بَلِ الزُّهْدُ أَنْ يَتْرُكَ الدُّنْيَا لِلْعِلْمِ بِحَقَارَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفَاسَةِ الآخِرَةِ (¬3).¬__________(¬1) يقال: رغب عن الشيء كَرِهَهُ، وَرَغِبَ فِيهِ: أَحَبَّهُ(¬2) إحياء علوم الدين 4/7.(¬3) مختصر منهاج القاصدين ص 4بتصرف.