والشاهد - هنا - أن هذه الصور هي صور عذاب المستهزئين في النار، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)؛ أي: إن العلة في زجر الكافرين المعَذَّبين هي أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين؛ يقول أبو السعود: " (إنه) تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء " (¬1).
فهؤلاء المستهزئون لم يكتفوا بالكفر فحسب، بل زادوا على ذلك أن بلغ السفه والتوقح بهم مبلغاً عظيماً، حيث شغلهم عن ذكر الله - سبحانه وتعالى - (¬2).
ويقول سبحانه وتعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمْ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (40) وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (¬3). وهذا الاستعجال من الكفار للعذاب هو استعجال على جهة الاستهزاء والسخرية (¬4) فهم لا يعلمون أن الذي يستعجلونه إنما هو عذاب نار جهنم التي تحرقهم، ولا يستطيعون كفها عنهم، ولو علم الكفار أن العذاب سيحيط بهم لآمنوا، ولما استعجلوا العذاب، ولكن النار أو الساعة سوف تأتيهم وعندها ستبهتهم - أي: تفجؤهم - ولا يستطيعون ردها، ولا هم يُنظرون فيأخرون عن العذاب (¬5).
¬__________
(¬1) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 4، ص 433.
(¬2) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 17، ص 2381.
(¬3) سورة الأنبياء / 38 - 41
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 11، ص 177
(¬4) انظر ابن حيان، النهر الماد من البحر المحيط، مصدر سابق، الجزء 2، ص 461.
وانظر القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، مصدر سابق، الجزء 4، ص 406.
وانظر المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، مرجع سابق، الجزء 3، ص 388.
(¬5) انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2،ص ص 22 - 23.
