الثقة به سبحانه، ومعرفته لأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواقفه في الشجاعة القلبية والعقلية. والداعية يحتاج إلى أن يَتَمَرَّن على الإِقدام والتكلم بما في النفس، وإلقاء المقالات والخطب في المحافل بقصد نصر الحق وقمع الباطل، فمن مرن نفسه على ذلك لم يزل به الأمر حتى يكون ملكة له، وتزول هيبة الخلق من قلبه، فلا يبالي ألقى الخطب والمقالات في المحافل الصغار أو الكبار على العظماء أو غيرهم، وكذلك يمرِّن نفسه على لقاء الأعداء في ميادين القتال حتى تزول عنه المخاوف ولا يبالي بلقاء الأعداء بعد ذلك سواء كان ذلك في الجهاد باليد أو باللسان. ويقول البراء- رضي الله عنه:- ولقد كنا إذا حَمِيَ البأس نتَّقي بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإن الشجاع الذي يحاذي به (¬1) الشجاعة لا تعني عند الكبار ساحات القتال، وحلبات المصارعة، وإن كان ذلك من أبرز معالمها، ولكن شجاعةَ الكبار لا تُفارقهم في دعوتهم؛ فهم يقولون الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا يخافون في ذلك لومة لائم، ويحتسبون الأذى عند الله، فيطلبون منه الأجر والثواب؛ فهم لا يُطيقون أن يُعصى الله في حضرتهم دون أن يسعَوا إلى نهي العاصي وزجره. ومن أنواع الشجاعة التي يتمثَّلها الكبار ويُحافظون عليها قولهم الحق، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لولي الأمر الجائر، والذي يهابه الناس ويخافونه، وأحيانًا يُداهنونه اتقاءً لظلمه وفحشه، من أجل ذلك كان واعظ الأمير أو ولي الأمر الجائر مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب إذا قُتل، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه فقتله (¬2) وعَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ (¬3) ¬__________ (¬1) دلائل النبوة للبيهقي،5/ 197. (¬2) المستدرك على الصحيحين للحاكم، ح/4872. (¬3) صحيح البخاري، ح/6347