وخلاصة ما أورده الواحدي أن اليهود كانوا يستهزئون بالمسلمين إذا صلوا وقالوا: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا. يقولون هذا على طريق الاستهزاء والضحك؛ فأنزل الله هذه الآية.
وكذلك نزلت في رجل من نصارى المدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخل خادم هذا الرجل المستهزئ بنار ذات ليلة، وكان هذا المستهزئ نائماً وكذلك أهله نيام، فتطايرت شرارة من النار التي دخل بها الخادم؛ فأحرق البيت، فاحترق النصراني المستهزئ وأهله وبيته (¬2)
فالكفار إذا سمعوا النداء إلى الصلاة استهزئوا بالنداء، أو استهزئوا بالصلاة، فالاستهزاءان سوء سيحيق بأصحابه.
للكن ما المقصود بالجهل هنا، هل هو: خلو النفس من العلم؟ أو اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه؟ أو فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل؟ (¬3)
و الذي يظهر –هنا- أن معنى الجهل (لا يعقلون) هو: اعتقاد الشيء خلاف ما هو عليه، و الدليل على ذلك هو أنهم كانوا يعلمون علماً مجرداً عن الاعتقاد، أن محمداً عليه الصلاة و السلام رسول، و أن ما جاء به حق. وبناء على ذلك؛ فليس الجهل عندهم هو خلو النفس من العلم
وليس كذلك هو فعل الشيء خلاف ما حقه أن يفعل – وهذه نقطة دقيقة- وذلك لأن سبب استهزائهم هو اعتقادهم المخالف للواقع. وفعلهم؛ أي: استهزاؤهم هو جهل طيش وسفه؛ أي: فعل الشيء خلاف ما حقه أن يفعل، و البحث –هنا- عن سبب استهزائهم لا عن ذات استهزائهم و كنهه، وبين الأمرين بون.
¬__________
(¬1) انظر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 1، ص 683.
(¬2) انظر علي بن أحمد الواحدي (ت468 هـ /1076م)، أسباب النزول، ضبطه محمد عبد القادر، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 2000م، ص 104.
(¬3) انظر معاني الجهل في. حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 209.
