ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها، سريعاً خاطفاً حاسماً، ليس فيه تريث ولا إبطاء حتى في إيقاع النظم وجرْس الألفاظ، وكان مشهداً من مشاهد يوم القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية، والمشاهد الكونية:
(فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر).
فالبصر يخطف ويتقلّب سريعاً سريعاً تقلّب البرق وخطفه، والقمر يخسف ويطمس نوره، والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق، ويختل نظامها الفلكي المعهود، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق.
في وسْط هذا الذعر والانقلاب، يتساءل الإنسان المرعوب: (أين المفر)؟ ويبدو في سؤاله الارتياع والفزع وكأنما ينظر في كل اتجاه فإذا هو مسدود دونه، مأخوذ عليه " (¬2)
فهم يستهزئون بيوم القيامة وأي شيء في يوم القيامة يُستهزأ منه؟! أيُستهزأ من إخراج العظم والرفات من القبور؛ لتدب فيها الحياة من جديد؟! أم يُستهزأ من الحشر والحساب والصراط والعذاب ومساءلة الله العاصين؟! أهو يوم القيامة أم شيء في قلوب المستهزئين يدفعهم إلى حمأة الرذيلة التي يغوصون فيها؟ !
فيوم القيامة يوم مخيف يخافه الطائعون قبل أن يخافه العاصون، ولذلك؛ فهم له عاملون، وعمّا نهاهم ربهم يبتعدون
إذن؛ فعقيدة البعث كانت موضع استهزاء من الكفار الأغبياء، وهذا ديدنهم فهم جميعاً أغبياء، في كل زمان وكل مكان، مهما بلغوا من المراتب العلمية واشتهروا بالألقاب البهيّة؛ لأنهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ومن كان هذا شأنه فالإخفاق سبيله والضلال قرينه.
¬__________
(¬1) حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 103.
(¬2) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 29، ص 3769.
